الشنقيطي
106
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بالقتل من العقرب . وقد أخرج مسلم عن ابن مسعود « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر محرما بقتل حية بمنى » « 1 » ، وعن ابن عمرو « سئل : ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم ؟ فقال : « حدثتني إحدى نسوة النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور ، والفأرة ، والعقرب ، والحدأة ، والغراب ، والحية » رواه مسلم « 2 » أيضا . والأحاديث في الباب كثيرة ، والجاري على الأصول تقييد الغراب بالأبقع ، وهو الذي فيه بياض ، لما روى مسلم من حديث عائشة في عد الفواسق الخمس المذكورة ، والغراب الأبقع . والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد ، وما أجاب به بعض العلماء من أن روايات الغراب بالإطلاق متفق عليها ، فهي أصح من رواية القيد بالأبقع لا ينهض ، إذ لا تعارض بين مقيد ومطلق ، لأن القيد بيان للمراد من المطلق . ولا عبرة بقول عطاء ، ومجاهد ، بمنع قتل الغراب للمحرم ، لأنه خلاف النص الصريح الصحيح ، وقول عامة أهل العلم ، ولا عبرة أيضا بقول إبراهيم النخعي : إن في قتل الفأرة جزاء لمخالفته أيضا للنص ، وقول عامة العلماء ، كما لا عبرة أيضا بقول الحكم ، وحماد ، « لا يقتل المحرم العقرب ، ولا الحية » ، ولا شك أن السباع العادية كالأسد ، والنمر ، والفهد ، أولى بالقتل من الكلب ، لأنها أقوى منه عقرا ، وأشد منه فتكا . واعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالكلب العقور ، فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة بإسناد حسن ، أنه الأسد ، قاله ابن حجر ، وعن زيد بن أسلم أنه قال : وأيّ كلب أعقر من الحية . وقال زفر : المراد به هنا الذئب خاصة ، وقال مالك في الموطأ : كل ما عقر الناس ، وعدا عليهم ، وأخافهم ، مثل الأسد ، والنمر ، والفهد ، والذئب ، فهو عقور ، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان ، وهو قول الجمهور . وقال أبو حنيفة : المراد بالكلب هنا هو الكلب المتعارف خاصة . ولا يحلق به في هذا الحكم سوى الذئب ، واحتج الجمهور بقوله تعالى وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ [ المائدة : 4 ] فاشتقها من اسم الكلب ، وبقوله صلى اللّه عليه وسلم ، في ولد أبي لهب « اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فقتله الأسد » رواه الحاكم « 3 » وغيره بإسناد حسن .
--> - و 76 . ( 1 ) أخرجه عن ابن مسعود البخاري في الحج حديث 1830 ، والحديث ليس هو عند مسلم . ( 2 ) كتاب الحج حديث 75 . ( 3 ) المستدرك ، كتاب التفسير 2 / 539 .